✅ زواجٌ من السماءِ
2026/05/18
33

كانَ زواجُ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) منَ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام) بأمرٍ منَ السماءِ، ليس كَالزواجِ العادي بينَ البشرِ..

زواجٌ هو قدوةٌ وعبرةٌ لغيرِهم منَ الناسِ، وهذانِ الزوجانِ يعلّماننا كيفَ تكونُ الحياةُ المشتركةُ بينَ الزوجينِ بل تصبحُ حياتُهما واحدةً..

يعلماننا بأنْ لا أثرَ ولا قيمةَ لِلمادةِ بينَ الزوجينِ، فَهم على الرغم من عظمتِهم وعلوِّ مقامِهم، كانَ مهرُ سيدة نساء العالمين وبنت سيد المرسلين (عليها السلام) دراهمَ معدودةً، وبيتها الزوجي الذي تكملُ بِهِ حياتها متواضعًا للغايةِ..

إنّهما (عليهما السلام) يعلماننا أنَّ الأموالَ ليسَت كلَّ شيءٍ في الحياةِ، فماذا تصنعُ الأموالُ إذا لم تكن من حلال أو لم تنفق في حلال؟!

بعضُ الرجالِ أو النساء إذا حصلَ على الأموالِ أخذَه التكبُّر والغرورُ على الآخرينَ، وبعضُهم يفعلُ المنكرات ولا يُبالي لأحدٍ.. فمثل هذه النماذج توضحُ لنا أنَّ بعضَ أصحابِ الأموالِ يكونون وبالًا على الأسرة والحياةِ الزوجيةِ.

يعلمنا هذان الزوجان العظيمانِ (عليهما السلام) أيضًا معنى السعادةِ في الحياةِ المشتركةِ بينَ الزوجينِ، وكيفَ تكونُ مليئةً بِالحُبِّ والمودةِ ولا يكونُ هذا إلا بِالتواضعِ، والتفاهمِ، والتعاونِ، والاحترامِ المتبادلِ، وهذا ما بينَهُ الإمامُ علي (عليه السلام) عندَ شهادةِ السيدة الزهراء (عليها السلام) بِقولِهِ: «فَوَ اللهِ، ما أغضَبتُها، ولا أكرَهتُها عَلى أمرٍ، حَتّى قَبَضَهَا اللهُ (عزّ وجلّ) إلَيهِ، ولا أغضَبَتني، ولا عَصَت لي أمرًا. ولَقَد كُنتُ أنظُرُ إلَيها فَتَنكَشِفُ عَنّي الهُمومُ وَالأَحزانُ» (بحار الأنوار: ج43/ص134).

وعَن الإمام أبِي جَعفَرٍ الباقر (عليه السلام) قَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) ضَمِنَت لِعَلِيٍّ (عليه السلام) عَمَلَ البَيتِ، وَالعَجِينَ، وَالخُبزَ، وَقَمَّ البَيتِ، وَضَمِنَ لَهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) مَا كَانَ خَلفَ البَابِ؛ نَقلَ الحَطَبِ، وَأَن يَجِيءَ بِالطَّعَامِ، فَقَالَ لَهَا يَومًا: يَا فَاطِمَةُ، هَل عِندَكِ شَيءٌ؟ قَالَت: لاَ، وَالَّذِي عَظَّمَ حَقَّكَ، مَا كَانَ عِندَنَا مُنذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ شَيءٌ نَقرِيكَ بِهِ. قَالَ: أَفَلاَ أَخبَرتِنِي؟ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) نَهَانِي أَن أَسأَلَكَ شَيئًا، فَقَالَ: لاَ تَسأَلِي ابنَ عَمِّكِ شَيئًا، إِن جَاءَكِ بِشَيءٍ عَفوًا، وَإِلّا فَلاَ تَسأَلِيهِ» (بحار الأنوار: ج14/ص197).

ورُويَ في الكتب الحديثية المعتبرة أنَّها (عليها السلام) كانَتْ تطحنُ بِالرحى حتى أثّرَتْ الرحى بِيدها، واستقَتْ بِالقربةِ حتى أثّرَتْ القربةُ بِنحرها، وكنسَتْ البيتَ حتى اغبرَّتْ ثيابُها، وأوقدَتْ تحتً القدرِ حتى طبعَ الدخانُ أثرَهُ على ملابسِها، وتركَ لونَهُ على ثيابِها.

هذه هي حياتُهم.. بُنيتْ وأسّسَتْ على التفاهمِ، فلم نسمعْ يومًا أنَّ السيدةَ الزهراء (عليها السلام) -وهي سيدة نساء العالمين- تركَتْ عملَ البيتِ ومساعدةَ زوجِها، ولمْ نسمعْ أنَّ عليًّا (عليه السلام) أجبرَ فاطمة (عليها السلام) أو أغصبَها أو أكرهَها على شيءٍ..

إذ كيفَ تكونُ الحياةُ سعيدةً وجميلةً إذا كانَ التعاملُ بينَ الزوجينِ حادًّا، ويقتصرُ على العملِ الواجبِ فقط؟!

أينَ التعاونُ والتفاهمُ في الحياةِ الزوجيةِ؟!

ولذا، لو أنَّ الحياةَ الزوجيةَ تمشي على الواجبِ فقط، لما أرضعَت المرأةُ ابنَها إلا بعدَ أخذِ الأموالِ منَ الزوجِ! وبهكذا تصرفاتٍ تُصبح الحياةُ جحيمًا، وليسَتْ حياةً زوجيةً مشتركةً، فَالله تعالى الذي أمرَ بالواجباتِ، هو نفسُهُ أمرَ بِالتعاملِ بِالمعروفِ والإحسانِ والمودة والرحمة.. إذ قال سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60)، وقال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21)، وقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).

فَعلى الرجل المتبعِ والموالي للإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنْ يكونَ اتّباعُهُ قولًا وفعلًا وليسَ قولًا فقط؛ لأنَّ البعض يعدّونَ المرأةَ سلعةً اشتراها بِأموالِهِ، وعليها تنفيذُ الأوامرِ وحسب.. وعليه، لا يوجدُ احترامٌ وتفاهمٌ!

وعلى المرأةِ أيضًا أنْ تكونَ ممّنْ تتَّبعُ السيدة الزهراء (عليها السلام) قولًا وفعلًا، فَلا تعدُّ الزوجَ مُلكًا لها وهي المتحكمة، وبِحُجةِ بعضِ الأحكامِ الشرعيةِ التي تقولُ: إنَّ بعضَ ما تحتاجُهُ المرأةُ منَ الملبسِ والمأكلِ واجبٌ على الزوجِ إحضاره، فلا تهتم لِلرجلِ كيفَ يأتي بالأموالِ، وماذا يُقاسي مِن أجلِ أنْ يؤديَ واجبَهُ.

اللهم اجعلنا مِمّن يستمعونَ القولَ فيتبعونَ أحسنَهُ.

 

  • سجى الخفاجي

__________________________________________
نشرة الكفيل/نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية)، تتناولُ المعارفَ القُرآنيةَ، والعقائديةَ، والفِقهيةَ، والتاريخيةَ، والأخلاقيةَ، والتربويةَ، والاجتماعيةَ، والصحيةَ بأُسلوبٍ مبسّطٍ ومختصرٍ، تصدر عن العتبة العباسية المقدسة/ العدد 1002.

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا